السيد هاشم البحراني
129
البرهان في تفسير القرآن
وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصا لي ، وإكراما « 1 » نحلنيه ، وإعظاما وتفضيلا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منحنيه ، وهو قوله : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَه الْحُكْمُ وهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ) * « 2 » . وفي مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع ، وطال لها الاستماع ، ولئن تقمصها دوني الأشقيان ، ونازعاني فيما ليس لهما بحق ، وركباها ضلالة ، واعتقداها جهالة ، فلبئس ما عليه وردا ، ولبئس ما لأنفسهما مهدا ، يتلاعنان في دورهما ، ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه ، يقول لقرينه إذا التقيا : يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) * « 3 » ، فيجيبه الأشقى على رثوثته « 4 » : * ( يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلإِنْسانِ خَذُولًا ) * ، فأنا الذكر الذي عنه ضل ، والسبيل الذي عنه مال ، والإيمان الذي به كفر ، والقرآن الذي إياه هجر ، والدين الذي به كذب ، والصراط الذي عنه نكب ، ولئن رتعا في الحطام المنصرم ، والغرور المنقطع ، وكانا منه على شفا حفرة من النار ، لهما على شر ورود ، في أخيب وفود ، وألعن مورود ، يتصارخان باللعنة ، ويتناعقان بالحسرة ، ما لهما من راحة ، ولا عن عذابهما من مندوحة « 5 » ، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام ، وسدنة أوثان ، يقيمون لها المناسك ، وينصبون لها العتائر « 6 » ، ويتخذون لها القربان ، ويجعلون لها البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، ويستقسمون بالأزلام ، عامهين « 7 » عن ذكر الله عز ذكره ، جائرين « 8 » عن الرشاد ، ومهطعين « 9 » إلى البعاد ، قد استحوذ عليهم الشيطان ، وغمرتهم سوداء الجاهلية ، ورضعوها جهالة ، وانفطموها « 10 » ضلالة ، فأخرجنا الله إليهم رحمة ، وأطلعنا عليهم رأفة ، وأسفر بنا عن الحجب ، نورا لمن اقتبسه ، وفضلا لمن اتبعه ، وتأييدا لمن صدقه ، فتبوؤا العز بعد الذلة ، والكثرة بعد القلة ، وهابتهم القلوب والأبصار ، وأذعنت لهم الجبابرة وطواغيتها « 11 » ، وصاروا أهل نعمة مذكورة ، وكرامة ميسورة « 12 » ، وأمن بعد خوف ، وجمع بعد كوف « 13 » ، وأضاءت بنا مفاخرة معد بن عدنان ، وأولجناهم باب الهدى ، وأدخلناهم دار السلام ، وأشملناهم
--> ( 1 ) في المصدر : وتكرّما . ( 2 ) الأنعام 6 : 62 . ( 3 ) - الزخرف 43 : 38 . ( 4 ) الرّثوثة : البلى . « لسان العرب - رثث - 2 : 151 » . ( 5 ) المندوحة : المتّسع . « لسان العرب - ندح - 2 : 612 » . ( 6 ) العتائر : جمع عتيرة ، الذّبيحة التي كانت تذبح للأصنام . « النهاية 3 : 178 » . وفي « ط » نسخة بدل : القتائب . ( 7 ) العمة : التّحيّر والتّردّد . « لسان العرب - عمه 13 : 519 » . ( 8 ) في « ط » : جائزين ، وفي المصدر : حائرين . ( 9 ) أهطع : أقبل على الشيء ببصره فلم يرفعه عنه ، ولا يكون إلَّا مع خوف ، والإهطاع : الإسراع في العدو . « لسان العرب - هطع - 8 : 372 » . ( 10 ) في « ي ، ط » : وانتظموها . ( 11 ) في المصدر : وطوائفها . ( 12 ) في « ج » : منشورة . ( 13 ) أي تفرّق وتقطَّع ، وفي نسخة من « ط » : بعد حوب ، والحوب : الوحشة والحزن .